المقريزي
167
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
إسماعيل الأشعريّ ، تلميذ أبي علي الجبائيّ ، وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر ، كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعيّ من القرافة ، والمدرسة الناصرية التي عرفت بالشريفية بجوار جامع عمرو بن العاص بمصر ، والمدرسة المعروفة بالقمحية بمصر ، وخانكاه سعيد السعداء بالقاهرة . فاستمرّ الحال على عقيدة الأشعريّ بديار مصر وبلاد الشام وأرض الحجاز واليمن وبلاد المغرب أيضا ، لإدخال محمد بن تومرت رأي الأشعريّ إليها ، حتى أنه صار هذا الاعتقاد بسائر هذه البلاد ، بحيث أن من خالفه ضرب عنقه ، والأمر على ذلك إلى اليوم ، ولم يكن في الدولة الأيوبية بمصر كثير ذكر لمذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل ، ثم اشتهر مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في آخرها . فلما كانت سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ ، ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة ، وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ . فاستمرّ ذلك من سنة خمس وستين وستمائة ، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة ، وعقيدة الأشعريّ ، وعملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام ، وعودي من تمذهب بغيرها ، وأنكر عليه ، ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ولا قدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب ، وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها ، والعمل على هذا إلى اليوم ، وإذ قد بينا الحال في سبب اختلاف الأمّة منذ توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أن استقرّ العمل على مذهب مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل ، رحمة اللّه عليهم ، فلنذكر اختلاف عقائد أهل الإسلام منذ كان إلى أن التزم الناس عقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعريّ رحمه اللّه ورضي عنه . ذكر فرق الخليقة واختلاف عقائدها وتباينها اعلم أن الذين تكلموا في أصول الديانات قسمان ، هما من خالف ملة الإسلام ، ومن أقرّ بها . فأما المخالفون لملة الإسلام فهم عشر طوائف : الأولى الدهرية ، والثانية أصحاب العناصر . والثالثة الثنوية : وهم المجوس ، ويقولون بأصلين هما النور والظلمة ، ويزعمون أن النور هو يزدان ، والظلمة هو أهرمن ، ويقرّون بنبوّة إبراهيم عليه السّلام ، وهم ثمان فرق : الكيومرتية أصحاب كيومرت الذي يقال أنه آدم . والزروانية أصحاب زروان الكبير ، والزرادشتية أصحاب زراداشت بن بيورشت الحكيم ، والثنوية أصحاب الاثنين الأزليين . والمانوية أصحاب ماني الحكيم . والمزركية أصحاب مزرك الخارجي . والبيصانية أصحاب بيصان القائل بالأصلين القديمين . والفرقونية القائلون بالأصلين . وأنّ الشرّ خرج على أبيه وأنه تولد من فكرة فكرها في نفسه ، فلما خرج على أبيه الذي هو الإله بزعمهم عجز عنه ،